الدولة السعودية الثالثة

 

كان الأمير الشاب عبد العزيز دائم القلق على الوضع الذي تعانيه بلاده تحت حكم ابن رشيد وكانت شقيقته الأميرة  نوره التي يحبها حبا شديدا لما تتمتع به من ذكاء حاد وأفكار نيره ترفض الإذعان لآل رشيد في احتلال ديارها شأنها في ذلك شأن شقيقها الذي كان يطلعها على جميع أسراره ، واخبرها بعزمه على استرداد الرياض فشجعته وشدت من أزره ، ولما اخبر والده الإمام بعزمه راعه ذلك وأشفق على ولده الذي لازال في فجر الشباب أن يذهب ضحية هوسه بوطنه ، ونصحه بعدم التفكير في ذلك ولكن الأمير الشاب أصر على موقفه وراح يستجدى والده بكل الوسائل إلى أن استجاب الأب ووافق أمام إصرار ابنه الغالي .

خرج الأمير الشاب ومعه أربعون شابا من أقربائه ومؤيديه وبعض الخدم ، ومن بين أقربائه شقيقه محمد وابن عمه عبدالله بن جلوي الذي عرف بالقوة والشجاعة ، وكان ذلك في النصف الأول من عام 1319هـ/1901م .

اتجه بمن معه إلى البادية في الإحساء وانضم إليه العديد من أبناء القبائل حتى تجاوز من التفوا حوله ألف مقاتل وبدأ يهاجم القبائل المؤيدة لأبن رشيد وكانت بطولاته تغرى شباب نجد بالانضمام إليه وراحت الإمدادات تصله من كل جهة .

بعد انتصار عبد العزيز بن متعب بن رشيد في معركة الصريف في السنة الماضية قام بملاحقة المنهزمين وقتل من عثر عليهم ثم نقل أميره على الرياض عبد الرحمن بن ضبعان  إلى بريده وعين مكانه عجلان وأرسل سالم بن سبهان إلى الرياض فقام بالتنكيل بزعماء البلاد وصادر أموالهم ، فزاد كره النجديين لابن رشيد .

كان ابن رشيد قد أرسل إلى الكويت من يستطلع له أحوالها لأنه يطمع في الاستيلاء عليها ، ويستطلع له أخبار آل سعود في الكويت ، فعاد الرسول ليقول لأبن رشيد : إذا كان هناك من ينازعك الحكم فهو عبد العزيز بن عبد الرحمن فإن هاجسه الوحيد استعادة الرياض . فضحك ابن رشيد ولم يلتفت إلى ما قاله الرسول .

ذهب ابن رشيد إلى الكويت على أمل الاستيلاء عليها واخذ يفاوض الأتراك وهو في الحفر معتقدا بان دخول الكويت في معاهدة حماية مع بريطانيا سيثير الدولة العثمانية فتساعده ، وبينما هو في الحفر علم  بخروج الملك عبد العزيز من الكويت وانتصاراته في الإحساء وما جاورها على أتباعه وانضمام الكثير من البادية إليه فأرسل إلى شيخ قطر قاسم بن ثاني يحرضه على عدوه الجديد كما أرسل إلى الأتراك يحثهم على الإيعاز إلى والي الإحساء التي كان يتمون منها الملك عبد العزيز ليطرده من تلك الجهة فاستجيب لطلبه ومُنع كل من يقف مع الملك عبد العزيز من دخول الإحساء والقطيف ،  فلما علم أبناء القبائل الذين انضموا إلى الملك بذلك انفضوا من حوله خوفا من الأتراك وابن رشيد ولم يبقى معه سوى عشرين رجل بالاضافه إلى الأربعين الذين خرجوا معه من الكويت ،  وأرسل له والده والشيخ مبارك ليرجع فأبى وأصر على النصر أو الموت شرفا وقرأ خطاب والده على أتباعه وقال لهم من أراد أن يعود إلى الكويت وينام مع أهله مرتاحا فليذهب  فلم يخذله أصحابه وابدوا  رغبتهم بمرافقته فقال لرسول والده بلغ تحياتي للإمام وقل له إلى اللقاء في الرياض إنشاء الله  .

عندها، رأى الأمير عبد العزيز أن الأسلوب الذي اتبعه لم يجده نفعاً وأنه لا بدّ من عمل جريء، مفاجئ يحدث صدى بعيداً في المنطقة كلها.

وفي الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 1319هـ/2 يناير 1902م تحرك عبد العزيز بن عبد الرحمن وأتباعه الذين بلغ عددهم أربعين وقيل ستين رجلاً  من واحة يبرين قاصدين الرياض وفي نيتهم شيء واحد هو المغامرة باقتحام قصر المصمك، وهو مقر الحاكم .

 

استرداد الرياض

 

أصبحت الرياض قاعدة للحكم السعودي بعد أن اتخذها الإمام تركي بن عبدالله عاصمة له سنة1240هـ /1824م بدلاً من الدرعية ، واستمرت عاصمة للدولة السعودية الثانية إلى سقوطها سنة 1309هـ/ 1891م لتصبح بعد ذلك واحدة من البلدان التي تخضع لحكم ابن رشيد في نجد ، ولكن الرياض لها تاريخها العريق في أذهان الناس، خاصة في نجد، لكونها قاعدة للحكم السعودي ورمزاً إلى شرعية ذلك الحكم ، ولهذا فقد قرر عبد العزيز أن يهاجمها، يشجعه على ذلك تأييد أهلها له ولأسرته ولرغبتهم في التخلص من حكم ابن رشيد الذي سامهم سوء العذاب بعد محاولة عبد العزيز الأولى لاسترداد البلدة.

واصل عبد العزيز بن عبد الرحمن ورفاقه السير الحثيث، يستريحون نهاراً ويسيرون ليلاً حتى بلغوا مكاناً يقال له "الشقيب"، من ضواحي الرياض في الخامس من شوال سنة 1319هـ / 15 يناير 1902م  ووضع عبد العزيز خطة محكمة للاستيلاء على الرياض  فقسم رجاله إلى ثلاث مجموعات ، واحدة مكونة من عشرين فرداً ترابط عند الإبل حتى الصباح وتكون احتياطياً خارج الرياض وأُمرت بالبقاء في مكانها، فإذا حل الصباح ولم يصلها خبر من الأمير عبد العزيز فعلى أفرادها أن ينجوا بأنفسهم، إذ قد يكون عبدالعزيز وأتباعه قد قتلوا ، وإذا تحقق لهم الظفر واستولوا على البلدة فسيأتيهم رسول منه يلوح لهم بثوبه إشارة لهم  للحاق به،أما المجموعة الثانية المكونة من ثلاثين رجلاً بقيادة أخيه محمد بن عبدالرحمن فعليها أن تختبئ في إحدى المزارع خارج أسوار الرياض حتى تصلها الأوامر من عبدالعزيز، ومهمتها حماية ظهور المجموعة الثالثة ، أما الثالثة وقوامها عشرة رجال يقودهم الأمير عبدالعزيز فتدخل الرياض ، وقد كان لقلة أفراد المجموعة التي كانت بقيادة عبدالعزيز أثرها في سهولة دخول المدينة في ظلام الليل ، فاستطاع هؤلاء النفر بقيادة عبدالعزيز أن يدخلوا بيتاً مجاوراً لبيت عامل لابن الرشيد وهو عجلان بن محمد، فتسلق عبدالعزيز ورفاقه إلى بيت عجلان، ولكنهم لم يجدوه فيه وأخبرتهم زوجته أنه نائم في قصر المصمك عند رجال حامية ابن رشيد وأنه لا يأتي من ذلك القصر إلى بيته إلا بعد طلوع الشمس وذلك لعدم اطمئنانه إلى الأوضاع المحيطة به، فانتظر الجميع خروج عجلان من قصر المصمك ، وفي هذه الأثناء أرسل عبدالعزيز إلى أخيه محمد ورفاقه الذين بقوا خارج السور فانضموا إليهم وتكاملوا داخل بيت عجلان.

فلما خرج عجلان بن محمد من قصر المصمك بعد شروق الشمس ومعه عدة رجال أطلق عليه عبدالعزيز النار من بندقيته فلم يقتله ، ثم تتابع الرصاص من الباقين صائحين صيحة ملأت البلد: (أهل العوجا.. أهل العوجا) وتعقبوا عجلان ورجاله ، وتمكن عبدالعزيز من إمساك رِجل عجلان وهو يحاول العودة إلى القصر وقد أدخل يديه ورأسه في فتحة باب القصر (الجوخة) فدفع عبدالعزيز وأفلت من يديه. وازدحم عبدالعزيز ورفاقه عند باب القصر والحامية تصب رصاصها عليهم ، ودخل عبدالله بن جلوي القصر في أثر عجلان فأدركه جريحاً في مسجد القصر فأجهز عليه برصاصة من بندقيته وقُتل عدد من أتباعه. وتتابع رجال عبدالعزيز في دخول القصر، فاضطر باقي رجال الحماية إلى الاستسلام. ونودي، في الرياض، أن الحكم لله، ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود .

وبعد انتهاء معركة القصر تتبع عبدالعزيز رجال ابن رشيد الذين كانوا خارج القصر وقتلهم وخرج فهد بن جلوي على جواد من خيل عجلان وذهب إلى الرجال الذين أبقوهم عند الرواحل وأدخلهم البلدة.

وبذلك خطا الملك عبدالعزيز خطوته الأولى لاستعادة حكم آبائه وأجداده، ومن ثم توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية .

 وفي ذلك التاريخ، 5 من شوال سنة 1319هـ/15 من يناير سنة 1902م، بدأت الدولة السعودية الثالثة .

اندفع سكان الرياض إلى مبايعة حاكمهم الجديد الذي أعاد الحق إلى أصحابه ، ولم ينس الابن أباه فأرسل  رفيقه ناصر بن سعود ليبشر الإمام عبدالرحمن والشيخ مبارك في الكويت بفتح الرياض ويطلب المدد ، وفي الوقت نفسه شرع يحصن الرياض ، وتمكن بمساعدة أهلها من بناء سور حصين للعاصمة في أربعين يوماً بعد أن كان قد هدمه ابن رشيد على أثر وقعة حريملاء عام 1308هـ ، وأمده والده والشيخ مبارك الصباح بسبعين رجلاً وذخيرة تحت قيادة أخيه سعد بن عبدالرحمن الفيصل.

 فلما علم ابن رشيد بدخوله وقضائه على عجلان لم يهتم كثيرا معتقدا انه سيقضى عليه في القريب العاجل وقال لأتباعه " لا يهمكم أرنب محجوره لاخلصنا جيناه " ، وبقى في الحفر فتره ثم عاد إلى حائل مما أتاح الفرصة للملك عبدالعزيز لتقوية جيشه والسيطرة على الجهات الجنوبية من نجد ، خاصة وأن أهل الجنوب مؤيدين لآل سعود كما إنهم كارهين لمن يسير في ركب العثمانيين ، فأصبح نفوذه يمتد إلى وادي الدواسر .

وبعد هذه الانتصارات المشجعة، وجه الأمير عبدالعزيز أنظاره إلى عالية نجد في الغرب وقام بهجمات موفقة على تلك المنطقة، فاستطاع أن يضمها إلى حكمه.

وبعد أن استعاد الأمير عبدالعزيز المناطق الواقعة جنوب الرياض وغربها، أرسل إلى والده يستدعيه من الكويت ، فقدم الإمام عبدالرحمن وخرج الابن ورجاله لاستقباله على مسيرة ثلاثة أيام من الرياض ، وهكذا عاد الإمام عبدالرحمن إلى عاصمة الحكم السعودي بعد غياب دام إحدى عشرة سنة ، وقد قام الأمير عبدالعزيز يتنازل لوالده عن الإمارة بقوله: "الإمارة لكم وأنا جندي في خدمتكم" ، ولكن الأب لم يوافق على ذلك بل جمع العلماء وأخبرهم بتنازله عن الإمارة لابنه الذي قبل التكليف بشرط أن يكون الإشراف لوالده في ما يقصد به خير البلاد.

وفي اجتماع عام حضره علماء الرياض وكبراؤها تمت البيعة لعبدالعزيز في باحة المسجد الكبير في العاصمة السعودية بعد صلاة الجمعة وأعلن الإمام عبدالرحمن تنازله عن حقوقه في الإمارة، لكبير أبنائه عبدالعزيز، وكان ذلك سنة 1320هـ/1902م .

فَضَّـل الملك عبدالعزيز بنبوغه العسكري أن تكون أول مواجهه مع خصمه في منطقه يأمن لها فاستدرج ابن رشيد إلى الجنوب التي كان أهلها موالين لآل سعود بعد أن حصن الرياض بقيادة والده ، ولما علم ابن رشيد بخروجه من الرياض اتجه إليها ولكنه وجدها محصنه فاتجه جنوبا والتقى بجيش عبد العزيز بقرب الدلم فانهزم وانسحب إلى السلميه فلحقه عبد العزيز وهزمه ففر عائدا إلى الشمال ، وكانت معركتي الدلم والسلميه في عام 1320/1902.

كان هذا الانتصار مشجعا للمناطق الشمالية على التمرد على ابن رشيد فسَهـُل على الملك ضم سدير والوشم باستثناء المجمعة التي ضلت موالية لأبن رشيد ، وبدا يخطط  لمهاجمة القصيم .

كان آل مهنا أمراء بريده قد فروا من سجنهم في حائل بعد معركة المليداء إلى الكويت وكذلك آل سليم أمراء عنيزه فاستدعاهم الملك عبدالعزيز كما استدعى الكثير من أهل القصيم الذين لجئوا إلى العراق والشام ومصر وكان لقصيدة العونى "الخلوج" الأثر الكبير في إثارتهم وتشجيعهم على العودة والتي مطلعها:

              خلوج تجذ القلب باتلى عوالها    تكسَّر بعبرات تحطم سلالها

كان ابن رشيد قد اتخذ القصيم مركزا له في غاراته على الجنوب وقام بإرسال سريه بقيادة حسين بن جراد للمرابطة في السر جنوب القصيم فعلم ابن سعود وسار إليهم في أواخر عام 1321/1905 والتقى بالسرية في قرية الفيضه وقضى على ابن جراد وأكثر من معه ثم عاد إلى الرياض ، وسميت تلك المعركة بـ (ذبحة ابن جراد) .

في العام التالي 1322هـ  سار إلى القصيم وعسكر بقرب عنيزه فأمر من معه من آل سليم حكام عنيزه السابقين بالتقدم إلى المدينة فقاومهم رجال ابن رشيد فأرسل عبدالله بن جلوي لمساعدتهم واستسلم أهل عنيزه لآل سليم .

في اليوم التالي اتجه الملك عبد العزيز بجيشه إلى الجهة التي كان نازلا بها ماجد بن حمود الرشيد بقرب عنيزه فأحس ابن رشيد بضعفه ووضع في مقدمة جيشه بعض من آل سعود بن فيصل الذين كانوا أسرى في حائل لعل ابن سعود يمتنع عن قتالهم إذا رآهم مخافة ان يصابوا ، ولكن الملك عبد العزيز لما عرفهم عقر خيلهم وفك أسرهم وهم أحفاد سعود بن فيصل بن تركي - سعود الكبير بن عبد العزيز وسعود بن محمد وفيصل بن سعد -  وبعد أن خلصهم الملك نزلوا في الخرج ثم بعد ذلك أرادوا الانفراد بالسيادة فيه فأخرجهم أمير الخرج من قِبَل الملك عبد العزيز فهد بن معمر فرحلوا وهم ناقمون على الملك وانضموا إلى الهزازنه في الحريق .

فر ماجد بن رشيد بعد آن قـُتل أكثر رجاله في المعركة وبينهم أخوه عبيد الحمود ، وسار الملك عبد العزيز إلى بريده ودخلها بعد ان استسلم أهلها.

فتح الملك عبد العزيز القصيم بينما كان ابن رشيد على حدود العراق يطلب العون من الأتراك فأمدوه بالمال والسلاح والرجال واتجه إلى البكيريه وهناك قامت المعركة  التي انهزم فيها ابن رشيد وقُـتل فيها ماجد الحمود الرشيد، ثم اتجه ابن رشيد إلى الشنانه فلحقه الملك عبد العزيز في نفس العام وهزمه مرة أخرى .

كانت معركة الشنانه التي قضى فيها الملك عبدالعزيز على جيش العثمانيين المرافق لابن رشيد أهم من سابقتها معركة البكيريه وهى تعتبر الجزء الثاني من البكيريه وقد أغنت أهل نجد من الغنائم والذهب الذي تركه ابن رشيد وفرمن المعركة وبقى جيش ابن سعود عشرة أيام يجمع في هذه الغنائم .

علم الأتراك بعد هذه المعركة بقوة ابن سعود الذي يؤيده أهل القصيم وان الأمر ليس كما صوره لهم ابن رشيد  فأرسلوا لابن سعود عن طريق الشيخ مبارك للتفاوض معه ، وبعدها حدث خلاف بين ابن رشيد والأتراك فلم يشتركوا معه بعد ذلك في أي معركة .

  وفي عام 1324هـ التقى جيش الملك عبد العزيز وجيش ابن رشيد في روضة مهنا بالقصيم  وقُـُتل في المعركة عبد العزيز بن متعب وسميت تلك المعركة بذبحة ابن رشيد وخلفه ابنه متعب الذي كان مسالما واتفق مع الملك عبدالعزيز على ان تكون حائل له وباقي نجد بما فيها القصيم لأبن سعود وأطلق سراح الأسرى من آل سعود الذين كانوا في حائل فذهبوا إلى بريده وأقاموا فيها.

 كتب الشيخ مبارك الصباح إلى ابن رشيد يهنئه بالا ماره ويستحثه على معاداة آل سعود والدعوة السلفية التي يخشاها ، وفي نفس الوقت كتب كتاب لابن سعود يحثه على محاربة ابن رشيد ، ولكن الكاتب اخطأ فأرسل كتاب الملك عبد العزيز إلى ابن رشيد وكتاب ابن رشيد إلى الملك فانكشفت لعبته ، وقام الملك بإرسال الخطاب إلى ابن رشيد وأوضح له أن الشيخ مبارك يريد إشعال الفتنة بينهم ، فاتفقا على الصلح ، ولكن تركيا لم ترتح لهذا الاتفاق فأرسلت قائدها سامي باشا الفاروقي للتفاوض حول تبعية القصيم للدولة العثمانية والتقى بابن رشيد فوافقه على ذلك ثم اتجه إلى ملاقاة الملك عبد العزيز في البكيريه فاصطدم الرجلان من اللحظة الأولى إذ ادعى الفاروقي أن أهل القصيم هم الذين يطلبون حماية الدولة العثمانية فقال له الملك هاهم زعماء القصيم أمامك فاسألهم فقام احدهم وقال لا نرضى عن ابن سعود بديلا  فاستشاط الفاروقي غضبا وقال لهم ماجئنا لنسترضيكم وإنما جئنا لنعلمكم الطاعة والإخلاص للدولة  العثمانية ولا معلم لكم اليوم إلا السيف !! فرد عليه الملك بلهجة أقوى من لهجته وقال له : إني آسف أن الدولة  تكل أمورها لأمثالك .. واعلم يا سامي إن العرب لا يطيعون صاغرين ولولا أنك ضيفنا ما تركناك تقوم من مكانك .

وذهب الفاروقي ثم بعث بعد ذلك رسولا إلى الملك يخبره بأن الدولة  مستعدة أن تدفع له عشرين ألف عثماني ومخصصات سنوية  إذا اعترف لها بالسيادة على القصيم  فغضب الملك وطرد الرسول ثم أرسل إلى الفاروقي ينذره بأنه سيهجم عليه في اليوم التالي ، فما كان من الفاروقي إلا أن أرسل للملك يعتذر منه ، ثم بعد ذلك انسحب الجيش التركي .

 لم يستمر الصلح مع ابن رشيد طويلا  ففي نفس العام قام أبناء حمود العبيد بقتل متعب وإخوانه  باستثناء الصغير سعود الذي فر به خاله ابن سبهان إلى المدينة وتولى سلطان العبيد الحكم فقام بالتحالف مع أمير بريده محمد ابا الخيل وفيصل الدويش زعيم مطير على محاربة الملك عبد العزيز، والتقى الجيشان في الطرفيه عام 1325هـ وكان النصر للملك عبد العزيز ، وبعدها قام سعود الرشيد بقتل أخيه سلطان ، وبعد شهرين عاد سعود بن عبد العزيز بن متعب مع خواله ال سبهان إلى حائل وقتلوا سعود العبيد وتولى الحكم زامل بن سالم السبهان الوصي على ابن أخته سعود .

كان آل مهنا  ابا الخيل  حكام بريده من الرافضين لحكم آل سعود منذ عهد الإمام عبدالله بن فيصل ، وكان أغلب أهلي بريده يشتكون من حكم آل مهنا ، وبعد معركة الطرفيه عاد من سَلِم من أهل بريده إلى بلدتهم وتحصنوا بها بقيادة أميرهم محمد ابا الخيل  وفر ابن رشيد إلى حائل ، وفي عام 1326/1908 زحف الملك عبد العزيز على بريده وفتح له بعض المعارضين  لأبا الخيل أبواب السور فدخل المدينة ليلا ودار  قتال بين الطرفين وجاء رؤساء بريده يطلبون العفو فعفا عنهم ، ولكن ابا الخيل ضل مُحاصرا إلى اليوم التالي ثم طلب الأمان فأمنه الملك على حياته وتركه يذهب إلى حيث يشاء فذهب إلى العراق وعين الملك مكانه أحمد السديري الذي استمر في إمارة بريده لمدة عام ثم نقل منها وعين بدلا منه عبد الله بن جلوي ، وسميت تلك المعركة بـ ( كسرة ابا الخيل )، وبعدها عادت بريده مرة أخرى إلى حكم ابن سعود . 

في عام1327هـ وقعت معركة (الأشعلي) بين ابن سعود وابن سبهان الذي تولى حكم حائل نيابة عن ابن رشيد ، فقد علم صاحب حائل بخروج الملك لغزو فئات من شمر فحاول أن يباغته بهجوم ليلي في مكان بقرب النفود يقال له الاشعلي ولكن الملك علم بقدومه فأمر بان لاتعقل الإبل التي غنمها من شمر في غزوته الأخيرة حتى إذا رأى أتباع ابن رشيد الإبل شاردة تبعوها ليغنموها ، وقام بإخراج رجاله من الخيام ، فلما انتصف الليل وهجم ابن سبهان على المخيم الخالي فرت الإبل على صوت الرصاص ولحقها المهاجمون فأرسل الملك سرية من رجاله لمناوشتهم ثم انسحبوا فظن ابن سبهان أن الملك معهم وانه انهزم ، وعند طلوع الفجر خرج الملك برجاله من النفود وهجم عليهم وهزمهم .ثم عاد إلى الرياض.

ولما اقترب الملك من الرياض جاءه رسول أبيه يخبره بان الفتنه اشتعلت في الحريق بين الهزازنه وقال له " جنبوا إلى الحريق " .

كان الهزازنه أمراء الحريق قد تقاتلوا فيما بينهم  فأرسل لهم الإمام عبد الرحمن سريه بقيادة مساعد بن سويلم  قبضت على القتلة وسلمتهم لإخوة المقتولين فقتلوهم ، وبعد عودة السرية التي أرسلها الإمام قام الهزازنه بقتل شيخين طاعنين في السن من آل خثلان بدعوى إنهم اشتركا في قتل أخ لهم فغضب الإمام وأرسل لابنه قبل أن يدخل الرياض يطلب منه التوجه إلى الحريق فطلب الملك عبد العزيز من والده فرصه يومين ليستريح ويزور أهله فكان له ذلك ، ثم اتجه بعدها إلى الحريق ودعا الهزازنه لتحكيم الشرع فرفضوا، وهم في الحقيقة غير راضين بحكم آل سعود ، وتحصنوا في حصنهم فحاصرهم الملك شهرين وهو يدعوهم لحكم الشرع ثم قام بحفر خندق تحت الحصن وملأه بالبارود وعزم على أن يشعل فيه النار وينسف الحصن وأرسل إليهم ينذرهم بان يُخرجوا نسائهم وأطفالهم وإلا فهم المسئولين ، فلما تأكدوا من وجود النفق استسلموا فأمنهم على أرواحهم وعاد إلى الرياض ومعه أمراء الهزازنه ، ثم بعد ذلك أطلق سراحهم بعد شفاعة حاكم قطر جاسم بن ثاني وعادوا إلى بلادهم.

وفي عام 1328هـ أعلن  بعض أقرباء الملك ( الذين سبق أن خلصهم من ابن رشيد وهم من آل سعود بن فيصل )  خروجهم على طاعته ، وكانوا تسعه ، واتجهوا إلى خوالهم العجمان في الإحساء ، ولما علم الشيخ مبارك بن صباح دعاهم إليه على أمل أن يصلح بينهم وبين الملك فذهب منهم اثنان واثنان عادا وطلبا الصفح من الملك ، ولكنهم عادوا بعد ذلك وانظموا إلى الهزازنه في الحريق .

 وفي نفس العام حدثت معركة هديه بين ابن صباح ومعه الملك عبدالعزيز وبين ابن سعدون زعيم المنتفق ( المنتفق تنسب إلى جدهم معاويه الملقب بالمنتفق وهم عرب عدنانيون  وآل سعدون أمراء المنتفق من الأشراف انتقلوا إلى العراق في أوائل القرن العاشر الهجري وتولى الإمارة جدهم سعدون الذي ينتسب إليه آل سعدون) .

كان للأتراك دور في تحريض ابن سعدون على حرب ابن صباح ، فبعد أن أجبر حزب الإتحاد والترقي السلطان عبد الحميد على التنازل عن العرش وتولى الحزب الحكم لم يحسن الاتحاديون سياستهم مع العرب ولم يوفوا بعهودهم لهم فغضب العرب وقام في البصرة جماعه يرأسهم السيد طالب النقيب والشيخ مبارك والشيخ خزعل للعمل على طرد الاتحاديين من البصرة والمطالبة باستقلالها  فأثار ذلك العمل الحكومة الاتحادية وأوعزت لأبن سعدون ليقوم بحمله على الشيخ مبارك لأنه في نظرهم اشد الزعماء الثلاثة خطرا فأخذ ابن سعدون يتحين الفرصة لمهاجمة ابن صباح ، ولما علم الشيخ مبارك بذلك استنجد بالملك عبد العزيز فذهب إليه الملك بقوة صغيره وحاول نصيحة الشيخ مبارك بالتريث وعدم محاربة ابن سعدون وأنه سيسعى للتوسط بينهم ، فرفض الشيخ مبارك النصيحة وأصر على الحرب وسار الجيش بقيادة جابر ابن الشيخ مبارك وأغار على قوات ابن سعدون التي كانت أكثر منهم عددا فانهزمت قوات ابن صباح وتركت الكثير من الأمتعة والإبل والخيل لأبن سعدون ، وقال احد الكويتيين { تركنا أموالنا لأبن سعدون هديه } فسميت تلك المعركة بمعركة هديه ، وسميت أيضا وقعة الطوال لحدوثها في منطقه يقال لها جريبيعات الطوال وكانت عام 1328/1910.

أراد الملك عبد العزيز بعد المعركة العودة إلى الرياض ليحل مشكلة أبناء عمه الذين تحالفوا مع الهزازنه في الحريق ولكن الشيخ مبارك تعلق به وطلب منه البقاء عنده لفترة فاستجاب له وأقام على مضض .

كان مبارك يريد توجيه عبد العزيز كما يريد فرفض عبد العزيز وغضب مبارك وقال له: أظنك يا ولدي تبغى أهلك ، فقال له عبد العزيز : نعم ، ورحل عنه .

اخذ الملك يستعد لمقاومة الهزازنه وأقاربه آل سعود بن فيصل الذين استولوا على الحريق فأرسل أخاه سعد إلى عتيبه يستنجد بهم ولكن العتبان انحازوا إلى الشريف حسين وأسروا سعد وأخذوه إلى الشريف الذي كان قد تقدم بقواته إلى القويعيه يريد غزو نجد بإيعاز من الدولة العثمانية فأجل عبد العزيز حسم فتنة أبناء عمه واتجه إلى " نفي"  وكتب إلى الشريف يطلب منه العودة من حيث أتى وإلا فأنه سيهاجمه ، كما كتب إلى محمد بن هندي بن حميد يحمله تبعية اسر أخيه سعد .

اتضح للشريف بأن الموقف ليس في صالحه فأرسل الشريف خالد بن لؤى ليعرض شروطه على عبد العزيز وهى الاعتراف بسيادة الدولة العثمانية عليه ، وكان خالد بن لؤي أمير الخرمه وابن عم الشريف من المخلصين لأبن سعود فقد اعتنق أهله عقيدة التوحيد منذ بدايتها وظل هذا البطل متمسكا بوفائه لآل سعود .

تمكن ابن لؤي من إقناع الملك عبد العزيز بأن نية الشريف حسنه وأنه لا يريد سوى اعتراف اسمي بالدولة  وإن هذا الاعتراف سيحسن صورة الشريف أمام العثمانيين وتعهد للملك بإرجاع أخيه الأمير سعد الأسير لدى الشريف ، فوافق الملك وتم أطلق سراح سعد وعاد الشريف حسين إلى الحجاز .

بعد ذلك استكمل الملك معالجة مشكلة أقربائه والهزازنه واستعاد الحريق وفر الأقرباء إلى الأفلاج فأتجه الملك إليهم ، وكان سعود بن عبدالله بن سعود بن فيصل  أحد الأقرباء قد هجم على السيح هو وبعض الهزازنه فقبض عليهم أمير السيح وأرسلهم إلى احمد السديري أمير ابن سعود في ليلى فألقاهم في السجن ، ولما وصل عبدالعزيز أطلق سراح سعود وخيره بين البقاء عنده أو الالتحاق بإخوانه فاختار البقاء ، وكان إخوته قد اتجهوا إلى مكه ولاذوا بالشريف إلا واحدا منهم وهو تركي بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل(اخو سعود الكبير) فقد اتجه إلى الإحساء ليستنهض قبائل العجمان هناك .

أمر الملك بقتل زعماء الثورة من الهزازنه جميعهم باستثناء واحد منهم عفي عنه وهو راشد الهزاني.

بعد انتصار الملك في الحريق اتجه إلى الإحساء لتأديب العجمان وهجم عليهم وغنم مواشيهم ، ثم وصلته رسالة من الشيخ مبارك يطلب منه العون على ابن سويط زعيم الظفير فانجده ثم عاد إلى الإحساء وهجم على العجمان في موضع يسمى المجصه فانهزم العجمان وقُتل منهم الكثير من رجالهم بينهم تركي  بن عبدالعزيز بن سعود الذي كان قد انضم إلى آل سفران من العجمان ، وكانت تلك المعركة " المجصه "  في عام 1330 هـ ، وفي نهاية هذا العام استطاع العثمانيون بواسطة عجيمي السعدون شراء فيصل الدويش فانقلب على الملك عبد العزيز متحالفا مع الظفير وراشد الهزاني الذي سبق أن عفي عنه الملك في معركة ليلى .

كان العثمانيون قد خسروا الكثير من أراضيهم بعد انتصار ايطاليا عليهم في البلقان واحتلال طرابلس الغرب ، وضل جميع أمراء العرب على الحياد باستثناء الإدريسي الذي وقف ضد الأتراك  وتحالف مع الأجانب ، وطلبت تركيا من ابن سعود المساعدة على الإدريسي وتعهدت بان تقدم له كل ما يحتاجه من مال وسلاح فرفض وقال لهم أنا عربي ولا أحارب عربي من اجل أجنبي ثم طلبت منه أن يضع قوه من رجاله في الإحساء لحماية الرعايا الأتراك فيها فرفض أيضا .

كان وإلى بغداد جمال باشا يجامل الملك عبدالعزيز ويتودد إليه وكتب له عدة مرات يطلب منه إرسال مندوب عنه للتفاوض فأرسل له احمد بن ثنيان ، ولما وصل ابن ثنيان إلى بغداد وجد من جمال باشا خلاف ما كان يظهره في رسائله وقال لابن ثنيان : إذا لم يقبل عبد العزيز بما تطلبه الدولة  فإنني استطيع أن اخترق بلاده في طابورين ، ولما عاد ابن ثنيان واخبر الملك بما قال الباشا أرسل الملك له خطاب قال فيه : لقد قلت بأنك ستخترق بلادنا وأنا أقول سنقصر لكم الطريق قريبا إنشاء الله .

لم يكن عبد العزيز مبالغا عندما قال سنقصر لكم الطريق ، ففي ربيع الأول من سنة 1331كان على رأس جيشه قاصدا الإحساء وعسكر في أطراف المدينه ثم دخلها ليلا سيرا على الأقدام وتحصنت الحامية التركية في القلعة ثم استلمت في اليوم التالي ورحلهم الملك إلى البحرين ثم أرسل سريه بقيادة عبد الرحمن بن سويلم إلى القطيف ففرت الحامية الموجودة بها إلى البحرين ودخلتها القوات السعودية وعين الملك عبد الرحمن السويلم أميرا على القطيف كما عين صديق عمره عبدالله بن جلوي أميرا على الإحساء وكان فتح الإحساء في عام 1331/1913.

أراد الجنود الموجودين في البحرين التوجه إلى قطر فكتب الملك عبد العزيز إلى الشيخ جاسم آل ثاني حاكم قطر يرجوه عدم فسح المجال لدخول الجنود العثمانيين إلى قطر ، وكان الشيخ جاسم قبل ذلك قد حاول كثيرا استخلاص الإحساء لنفسه ولكنه عجز عن ذلك فلما استولى ابن سعود عليها غضب وأخذه الحسد على توسع نفوذ ابن سعود ، ولما جاءه كتابه أرسل له يستنكر احتلاله للإحساء ويهدده بإعلان الحرب عليه إذا لم يعيد تلك المنطقة إلى الدولة العثمانية ... ولكن المنية وافته بعد أسبوع ( فكنا الله وإلا كان رحنا فيها ☺☻☺☻)

بعد فتح الإحساء اخذ الانجليز يفاوضون ابن سعود وأرسلوا الوكيل السياسي في البحرين ومعه الضابط شكسبير لمقابلة الملك في العقير عام 1322 ولم يسفر هذا الاجتماع سوى على الاتفاق على مقاومة النفوذ الألماني ، وخشي الأتراك من توثق علاقة الملك بالانجليز وبدئوا بالاتصال السلمي به وأرسلوا له وفد برئاسة طالب النقيب واجتمع به في الصبيحه واتفقا على أن يعترف الملك بالتبعية الدولة  العثمانية مقابل مساعدته بالمال والسلاح ، ولكن قيام الحرب الأولى حال دون تنفيذ هذا الاتفاق .

قامت الحرب العالمية الأولى عام 1322/1914 ووقف ابن سعود على الحياد فلم يحارب الأتراك كما أراد الانجليز ولم يحارب الشريف كما أراد الأتراك فلم يكن يهمه في ذلك الوقت إلا أمير الجبل الذي نقض العهد الذي بينهم وتحالف مع الأتراك على محاربته وتسلم ابن رشيد كمية كبيره من السلاح والمال من والي البصره لمساعدته على محاربة ابن سعود ، كما أن الشيخ مبارك بعث له رسالة مع سيف العتيقي ليثير فيه الحماس على محاربة ابن سعود ويظهر له استعداده لمساعدته وفي نفس الوقت بعث رسالة أخرى لأبن سعود يحثه فيها على مواصلة حرب خصمه ابن رشيد ويعده بمساعدته ويخبره بأنه أرسل سيف العتيقي لابن رشيد ليستطلع له قواته وعندما يعود العتيقى سيعلن الحرب على ابن رشيد ، ويوصيه بكتمان هذا السر !!!! .

سار الملك لملاقاة سعود بن رشيد والتقى الجيشان في ( جراب ) بقرب الزلفي عام 1333/1915 ودارت المعركة ومالت كفة ابن رشيد وأغارت فئة من شمر على ابل لعبد العزيز وغنمتها ، ولكن كان الأكثر إلاما أن فئة من البادية التي كانت مع عبد العزيز وفي مقدمتهم العجمان اخذوا ما استطاعوا من تلك الإبل  وقامت فئة من مطير أتباع ابن سعود بالا غاره على مخيم ابن رشيد وغنمت منه ، وقتل في تلك المعركة الضابط الانجليزي شكسبير الذي كان يرافق الملك كما قتل فيها محمد بن عبد الله بن جلوي ، وانتهت المعركة ولم يكن ظافرا فيها غير الباديه من الفريقين.

في أثناء المعركة وقعت في يد ابن رشيد حقيبة فيها الرسالة التي بعثها ابن صباح لعبد العزيز فاستدعى العتيقى وقرأ عليه الرسالة وقطع معه المفاوضات .

بعد غدر العجمان بعبد العزيز وفرارهم في معركة جراب أغاروا على بادية عريب دار التابعين لابن صباح ونهبوهم فكتب الشيخ مبارك لعبد العزيز يطلب منه تأديب العجمان واستعادة ما نهبوه فأجابه الملك عبد العزيز قائلا بان العجمان لايرجعون ما ينهبونه إلا مكرهين فإذا عزمت على محاربتهم تعطيني عهدا بأن لاتستقبلهم إذا لجئوا إليك ولا تتوسط بالصلح بيني وبينهم وان تمدني بالرجال والسلاح .

عاهده مبارك على ذلك ، وكان عبدالعزيز غاضبا مما حدث من العجمان في معركة جراب ، فسار إليهم والتقى بهم في ( كنزان ) بقرب الإحساء وهاجمهم ليلا ، وكان العجمان عندما علموا بقدومه تركوا خيامهم ونيرانهم مشتعلة إيهاما بأنها مسكونة وكمنوا في المرتفعات وبين النخيل، وما كاد جيش عبد العزيز يدخل المخيم حتى أخذهم الرصاص من كل جانب وأصيب الملك وقُتل أخوه سعد الأول في المعركة ، وعاد عبد العزيز إلى الهفوف فحاصره العجمان هناك ، وكان ذلك في عام 1333/1915.

أرسل الملك عبد العزيز إلى والده الإمام في الرياض وإلى الشيخ مبارك في الكويت يطلب المدد فأرسل له والده قوات بقيادة ابنه محمد وكان يرافق قوات محمد الأمير سعود الكبير الذي كان على خلاف مع ابن عمه عبدالعزيز ولكنه لما علم بالمحنة التي يواجهها ابن عمه وشقيق زوجته الأميرة نوره أخذته الحمية وسار مع الجيش متناسيا أي خلافات بينهما .

أما ابن صباح فقد تباطأ في إرسال النجدة فكتب له عبد العزيز مرة ثانيه يذكره بالوعد ، وكانت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت تسعى لتقوية ابن سعود على خصمه ابن رشيد ليكف ابن رشيد عن مهاجمة بادية الحجاز التابعة للشريف الذي كان يستعد للقيام بالثورة على الأتراك ، فطلبت بريطانيا من ابن صباح أن يمد ابن سعود بقوه تساعده على إخضاع العجمان ليتفرغ لخصمه وخصمهم ابن رشيد .

تقبل الشيخ مبارك هذا الطلب بدون رغبه وأرسل قوه بقيادة ابنه سالم وأوصاه بأن لايشتبك مع العجمان في حرب وأن لا يستعجل في المسير إلى الإحساء لعل العجمان يستولون عليها قبل وصوله ولكن الشيخ سالم أسرع في المسير مخالفا وصية والده ووصل إلى الإحساء مع وصول قوات الأمام عبد الرحمن .

بات موقف العجمان يضعف فقرروا الانسحاب وتوجهوا شمالا فقسم الملك عبد العزيز رجاله إلى قسمين احدهما بقيادته تهاجمهم والقسم الأخر بقيادة أخيه محمد وسالم الصباح وخرج إليهم عبد العزيز وأطلق عليهم نيران مدافعه فهربوا ولحقهم محمد وسالم ودارت بينهم معركة ضارية أخلص فيها سالم القتال مخالفا وصية والده مرة أخرى فأبرز له العجمان رسالة من والده يقول له فيها : لقد أرسلتك مراقبا لا مقاتلا فإذا غلبهم ابن سعود فأبواب الكويت مفتوحة لهم وأعلن حمايتك لهم وإذا غلبوه فلا تردهم عنه ولا تساعدهم عليه ، فامتثل سالم لأمر أبيه وخالف الأمير محمد الذي كان يريد الفتك بهم وعارضه وأعلن حمايته لهم.

كتب الأمير محمد إلى أخيه يخبره بما حدث ويستأذنه في قتال الفريقين فأمره الملك عبد العزيز بالتريث حتى ينظر في الأمر وكتب إلى الشيخ مبارك يشكو له ما فعله سالم و يقول له إنني لم اقدم على محاربة العجمان إلا إكراما لك فجاءه جواب مبارك الذي يقول فيه إن بيني وبين العجمان صداقه قديمه وقد طلبت منك استرجاع ما نهبه العجمان ولم اطلب منك   محاربتهم !!!

لم يجد عبد العزيز بعد كل ما جرى مفرا من الحرب ، فجمع من كان معه من الأعيان وشاورهم فقرروا جميعا محاربة ابن صباح  فسار متجها إلى معسكر أخيه محمد متجها إلى الكويت ولكن الله أراد أن تخلوا صفحة هذا البطل العظيم من قول من يحصي عليه الزلات : قاتل عبد العزيز من آواه صغيرا وكان يدعوه ياوالدي . فقد وصل الخبر بوفاة الشيخ مبارك وانتهت هذه الأزمة.

بينما كان الملك في معسكر أخيه محمد وصله رسول من السير بيرسي كوكس الممثل البريطاني في الخليج يرجوه أن يوافيه في القطيف للتفاوض في أمور هامه فاتجه الملك إلى هناك واجتمع بكوكس في جزيرة دارين في شهر صفر من عام 1334/1915 ووقع معه معاهدة القطيف أو دارين الشهيرة التي اعترفت فيها بريطانيا بسلطته على نجد والإحساء وتوابعها وتعهدت بحمايته من أي عدوان خارجي ولكنها حدت من تحركاته ضد بلدان الخليج المرتبطة معها بمعاهدات حماية.

في شعبان من عام 1334/1916 أعلن الشريف حسين ثورته على الأتراك بمساعدة بريطانيا ووقف الملك عبد العزيز من هذه الثورة موقف الحياد المشوب بالحذر خشية أن يتقوى الشريف فيتدخل في أمور نجد خاصة بعد أن أعلن الشريف نفسه ملكا على العرب ، وكان الملك عبد العزيز قد تعهد للسير بيرسي كوكس في العقير أن لا يتعدى على الشريف بشرط أن لا يتدخل الشريف في شؤون نجد وان لا يتكلم باسم العرب ويعلن نفسه ملكا عليهم ، فتعهد له كوكس بذلك .

اتصل الملك عبد العزيز بكوكس ودعاه إلى الكويت واجتمع به هناك وكان من نتائج هذا الاجتماع تعهد بريطانيا بان لا يتدخل الشريف في شؤونه الخاصة أو التحدث باسم العرب.

تولى الشيخ جابر بعد وفاة أبيه وكان جابر على صلة ود مع الملك عبد العزيز أيام كان عبدالعزيز يعيش في الكويت واشتركا معا بعد ذلك في حمله على مطير وفي معركة هديه ، فكتب له الملك يعزيه بوفاة والده وينصحه بعدم السير على سياسته فاستجاب الشيخ للنصيحة وعمل على تحسين العلاقة مع نجد .

حدثت بعد ذلك معارك شديدة بين الملك عبد العزيز والعجمان انتهت بانتصاره عليهم وفر قسم منهم إلى الكويت فكتب الملك إلى الشيخ جابر يطلب منه إخراجهم فاستجاب له جابر رغم محاولات أخيه سالم ثنيه عن ذلك وقام بطردهم من الكويت ، أما أقرباء عبد العزيز من آل سعود بن فيصل فقد أدركوا أن خوالهم العجمان ( كان أول من تزوج منهم جدهم سعود ) لم يناصروهم إلا لمآرب خاصة وأطماع سياسيه لهم في الإحساء لذلك عادوا تائبين إلى الملك عبد العزيز باستثناء البعض منهم نزحوا إلى العراق .

لم يدم الصفاء بين نجد والكويت كثيرا فقد توفي الشيخ جابر في عام 1335/1917 وتولى أخوه سالم فقطع ذلك الخيط الذي كان يربط بين آل سعود وآل صباح إذ كان سالم يطمع في توسيع إمارته على حساب نجد وقام بتوزيع السلاح على العجمان وحث زعمائهم سلطان بن حثلين وضيدان بن حثلين على الثورة ضد ابن سعود فقام العجمان يشنون غارات على أتباع الملك عبدالعزيز عبر الأراضي الكويتيه ولكن بريطانيا بطلب من الملك عبدالعزيز ضغطت على سالم الصباح فقام بإخراجهم من الكويت.

مر عام 1335هـ بهدوء نسبى بين الملك عبدالعزيز والشريف حسين وتبودلت الرسائل بينهم كما قام الأمير محمد بن عبد الرحمن ومعه الآلاف من النجديين بالحج في نهاية تلك السنة ولقي ترحيبا واهتماما كبيرا من الشريف في مكه ، ولكن في العام التالي حدث نوع من التوتر في العلاقات بين الملك والشريف بسبب خروج أهالي الخرمه مع أميرهم الشريف خالد بن لؤي عن طاعة الشريف حسين وانضمامهم إلى حركة الأخوان ، وكان الخلاف بين الشريف حسين وابن عمه خالد بن لؤى بسبب شجار حدث بين خالد وبين فاجر بن شليويح احد زعماء عتيبه أثناء وجودهم في معسكر الشريف عبدالله بن الحسين في حصار المدينه فقام فاجر بلطم خالد ولم يقم الشريف بمعاقبة فاجر العقاب الذي يأمله خالد واكتفي بتوقيفه ثلاثة أيام ثم أطلق سراحه فغضب خالد ورحل إلى الخرمه وأعلن خروجه على الشريف واتصل بالملك عبد العزيز وطلب حمايته واخذ ينشر الدعوة السلفية بين الناس .

 معركة تربه وبداية فتح الحجاز

تربه والخرمه قريتان بين نجد والحجاز ، تقع الخرمه على بعد 50 ميل شرق جبل حَضَن وتقع تربه على بعد 75 ميل جنوب حضن ، وجبل حضن هو الحد الفاصل بين نجد والحجاز وفي  القول المشهور " من رأى حضنا فقد رأى نجد " ولذلك كان الملك عبد العزيز يرى إنها تابعة لنجد وأن سكانها بما فيهم الأشراف اعتنقوا مذهب التوحيد منذ بداية الدعوة ، بينما كان الشريف حسين يرى إن القريتين من قرى الحجاز وإن أكثر أصحاب المزارع فيها من الأشراف والسيادة لهم ، وكان سكان الخرمه من قبيلة سبيع فقد كانت سبيع تقطن الحجاز ثم اختلفوا مع العتبان فرحل بعضهم إلى الخرمه وأكثرهم رحلوا إلى نجد وأقاموا في الحائر مع حلفائهم السهول ، أما تربه فسكانها من البقوم وفيها عدد من الأشراف وجميعهم من أتباع آل سعود واعتنقوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ القدم.

حاول الشريف حسين إخضاع خالد بالقوة ووجه له عدة حملات ولكن خالد استطاع بمن انضم إليه من الإخوان أن يلحقوا هزائم ساحقه بتلك الحملات .

بعد أن استسلمت المدينه المنوره أرسل الشريف ابنه عبد الله بجيشه من المدينه إلى الخرمه واحتلها ، وكان الملك عبدالعزيز قد أرسل قوات من الإخوان بقيادة سلطان بن بجاد عسكرت بقرب الخرمه وأرسل إلى الشريف عبد الله يعرض عليه حل المشكلة بالطرق الودية فرفض عبدالله هذا الأمر فأمر الملك الإخوان بالهجوم وانقضوا عليهم وأبادوا اغلب الجيش واستولوا على مالديهم من أسلحه ومؤن وأموال ، وقد قدر عدد القتلى من جيش الشريف بتسعة آلاف ومن الإخوان ثلاث مائه وخمسين ، وكان ذلك في عام 1337/1919.

وصل الملك عبد العزيز إلى تربه بعد المعركة واستبد الذعر بالشريف وخشي من زحف الإخوان على الطائف فاتصل بالحكومة البريطانية يطلب مساعدتها فطلبت بريطانيا من الملك أن ينسحب من تربه حتى تتاح الفرصة للتفاوض بينه وبين الشريف فاستجاب الملك لطلب بريطانيا وعاد إلى الرياض وانسحب من تربه ولكنه عين عليها أميرا من قِبَلِه .

بعد معركة تربه لان عود العجمان وطلبوا من الملك عبد العزيز ان يعفوا عنهم ففعل وأعادهم إلى ديارهم السابقة في الإحساء ، أما ابن رشيد فقد جهز له الملك جيشا بقيادة ابنه سعود لمحاربته فسار سعود وعسكر بقرب حائل ، ولكن حدث حادث شغل الملك عن ابن رشيد، ففي ذلك الوقت أبحر الشيخ سالم الصباح متجها إلى ميناء بلبول التابع للقطيف مدعيا بأنه من أراضي الكويت ، وذلك قبل أن يتم تحديد الحدود بين البلدين ، وأراد أن يشيد في ذلك الموقع قصرا وينشئ مدينه صغيره لتنافس ميناء الجبيل  ومكث هناك خمسة أيام لدراسة المشروع ثم عاد إلى الكويت ، ولما علم الملك عبد العزيز كتب إلى الشيخ سالم يرجوه الامتناع عن هذا العمل فرفض الشيخ سالم وتدخل المعتمد البريطاني بعد أن اخبره الملك بالأمر فكتب المعتمد إلى سالم ليستوضح منه فأجابه سالم بأنه ألغى فكرة المشروع ولكنه مصر على أن بلبول تابعه للكويت .

 

  معركة الجهراء

 في عام 1338/1920هاجر قسم من الإخوان من مطير بقيادة زعيمهم تريحيب بن شقير إلى مكان يدعى " قريه "  بالقرب من بلبول وشرعوا في إنشاء هجرة فيها فثار الشيخ سالم وأرسل إلى ابن شقير ينذره ويحذره من القيام بهذا العمل فرفض ابن شقير وقال لرسول الشيخ سالم لن اكف عن هذا العمل مالم يَرِدني أمر صريح من ابن سعود فقام ابن صباح وأرسل سريه لإرهاب ابن شقير رابطت في موقع يسمى "حمض"  ولما علم ابن شقير بذلك أرسل إلى فيصل الدويش أمير الارطاويه يستنجده فأرسل له الدويش ألفي مسلح من رجاله هجموا على سرية ابن صباح وقضوا عليهم وفر من نجا منهم إلى الكويت واستولت قوات الدويش على ماتركوه من ابل وغنائم ، ولما وصل الخبر إلى الملك عبد العزيز غضب وكتب إلى الشيخ سالم يخبره انه لم يأمر الدويش بمحاربة قواته ويعده بأنه سيعيد الغنائم التي أخذها الدويش ولكنه أكد له إن هجرتي قريه و بلبول تابعتان لنجد .

لم يرضى سالم بذلك واستنجد بابن رشيد الذي أرسل له قوه من شمر بقيادة ضاري بن طواله انضمت إلى قوات ابن صباح للهجوم على قريه ولكن قائدي الجماعتين اختلفا على القيادة ونزلا في الجهراء بقرب الكويت  فلما علم سالم باختلاف القائدين اقبل بقوة من الكويت إلى الجهراء وتولى القيادة وكان الملك عبد العزيز في ذلك الوقت في الإحساء ولما وصلته الأخبار أرسل إلى الدويش ليذهب لإنجاد أهل قريه فوجدها الدويش فرصه لتحقيق غايته في إجبار أهالي الكويت على اعتناق مذهب الإخوان ومشى إليهم .

التقى الجيشان في محرم من عام 1339/1920 وانهزم جيش ابن صباح وانسحب سالم إلى القصر الأحمر القريب من الجهراء وتحصن فيه فحاصره الدويش وبعد أن طال الحصار وعلم الدويش بما يعانيه المحاصرون من الضيق والقلق رق لحالهم وعزم على عرض الهدنة عليهم شريطة العودة إلى الإسلام الصحيح وترك شرب الدخان وتكفير الأتراك وترحيل الشيعة من الكويت وهدم المستشفي الأمريكي وطرد أطبائه ..إلى غير ذلك مما يراه الدويش شرطا لصحة الإسلام ، فأجابه الشيخ سالم قائلا : أما الإسلام فنحن مسلمون ونحافظ على أركانه جميعها وإن كنا مخطئين فنعدكم بالعودة إلى الطريق الصحيح وأما إزالة المنكرات فسنزيل منها ما نستطيع إزالته ، وبالنسبة لتكفير الأتراك فلم يثبت لدينا ما يوجب تكفيرهم وأما المطالب الباقية فلا سبيل لتحقيقها .

استمر الحصار واشتد الضيق بمن كان في القصر فتظاهر الشيخ سالم بقبول الشروط التي سبق أن عرضها الدويش للإفلات من الحصار على ان ينسحب الأخوان من الجهرا إلى الصبيحه حتى يعود سالم إلى الكويت ثم يتم توقيع اتفاقية الصلح ،  فانسحب الدويش إلى آبار الصبيحه وعاد سالم إلى الكويت واتصل بالانجليز يطلب حمايتهم فأرسلت بريطانيا بارجة بحريه أخذت تطلق الأسهم النارية في السماء لإرهاب الإخوان وقامت طائره حربيه بإلقاء منشورات على مخيم الدويش تهدده بالقصف إذا ما اعتدى على الكويت وكتب المعتمد البريطاني إلى الملك عبد العزيز يطلب منه أن يأمر الدويش بالانسحاب من آبار الصبيحه فاصدر الملك أمره إلى  الدويش بالانسحاب .

كان الشيخ خزعل أمير المحمره قد بذل جهودا كبيره للتوفيق بين الملك عبد العزيز والشيخ سالم وتقدم بالنصح للشيخ سالم في ظروف مختلفة ليبتعد عن معاداة ابن سعود ولكن الشيخ سالم لم يستجيب له وأصر على عناده ، وبعد معركة الجهرا وجد الشيخ خزعل انه لابد من التدخل للصلح بين الطرفين واتفق مع السير بيرسي كوكس والشيخ سالم على إرسال وفد إلى الملك عبد العزيز لتقريب وجهات النظر بين الطرفين ، ووصل الوفد عن طريق البحرين ثم اتجهوا إلى روضة التنهات حيث يقيم الملك عبد العزيز الذي أرسل ابنه فيصل لاستقبالهم في الحفر وإيصالهم إلى المخيم وكان الوفد يضم الشيخ احمد الجابر ابن اخو الشيخ سلم وكاسب ابن الشيخ خزعل ، فلما وصل الوفد استقبلهم الملك عبد العزيز أجمل استقبال وقال لكاسب إنني مستعد للتنازل عن كل حق لي استجابة لمسعى والدك وإكراما لقدومك ، ودارت المفاوضات بجو ودي ودونت مواد الصلح وأجل التوقيع عليها إلى اليوم التالي ، وفي صباح اليوم الثاني قدم الملك عبد العزيز إلى الخيمة التي يقيم فيها الوفد وعرض عليهم خطاب ورَدَه بوفاة الشيخ سالم ، فعزاهم في الفقيد ثم وجه كلامه إلى الشيخ احمد قائلا : أما الآن وقد صارت الأمور إليك فلك السلطة على جميع رعاياي ولا حاجة للشروط التي كتبناها بالأمس ، واخرج الورقة التي كتبت فيها الشروط ومزقها ثم نادى مناديه بين الناس بأن نجد والكويت بلدا واحدا ولا مانع بعد اليوم لمن أراد السفر إلى الكويت وحذرهم من الاعتداء على كل ما ينتسب إلى آل الصباح بصله .

 بعد الصلح مع الكويت تفرغ الملك عبدالعزيز لابن رشيد وسار إلى القصيم وعسكر هناك وأمر ابنه سعود بمحاصرة حائل فحاصرها شهرين ، وأثناء الحصار عاد محمد بن طلال الرشيد من الجوف إلى حائل للدفاع عنها وفر أميرها عبد الله بن متعب خوفا من ابن طلال ولجأ إلى الملك سعود وعاد معه إلى الرياض بعد أن أمر الملك ابنه بالعودة بسبب شدة الحروقلة المراعي وفقدان الجيش لأعداد كبيره من رواحله وأمر فيصل الدويش بالزحف على حائل ومحاصرتها إلى أن يأتيه بنفسه ، ثم سار الملك عبد العزيز بجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل ودخل حائل بعد أن استسلم ابن رشيد وأمّـنه الملك وعفا عنه وتزوج الملك بعد ذلك ابنته ، وكان فتح حائل في عام 1340/1921 .

وفي هذا العام حدثت اشتباكات بين القبائل على الحدود اشترك فيها فيصل الدويش فقامت الطائرات البريطانية بإرسال القذائف المدمره على الدويش وجنوده ، ثم تبودلت الرسائل بين المندوب السامي والملك عبد العزيز وقال كوكس معتذرا : لا تؤاخذوا طائراتنا ولكن لا مبرر لهجوم الأخوان على عشائر العراق .. فأجابه الملك : لا تؤاخذوا الأخوان ولكن اللوم على الحكومه التي لاتستطيع كبح العشائر ضمن حدودها وهذا جزاء الضعف والإهمال .

وبعد هذا الحادث عقد مؤتمر المحمره القريبة من البصره على ساحل الخليج لتحديد الحدود بين نجد والعراق وكان مندوب الملك عبد العزيز في هذا المؤتمر احمد بن ثنيان ولكن الملك لم يصدق على ما تقرر في هذا المؤتمر ولام ابن ثنيان لأنه وافق على ضم بعض القبائل  التابعة للدولة  السعودية منذ القدم للعراق فتقرر عقد مؤتمر ثاني بعد بضعة أشهر في العقير دعا له الملك عبد العزيز وحضره الملك بنفسه .                 

 فتح عسير

 في أواخر عام 1340هـ وأوائل عام1922م اتصل ابن عايض احد أعيان أبها بالشريف فأمده بالمال والعتاد وهجم على عامل ابن سعود في أبها فهد العقيلي واعتقله ولما علم الملك عبد العزيز جهز جيشا بقيادة ابنه فيصل فزحف الملك فيصل بجيشه إلى ابها ودخلها بعد مقاومة شديدة من ابن عايض  وفر هذا الأخير إلى القنفذه واستنجد بالشريف الذي أمده بقوات قامت بمهاجمة ابها ولكن الأمير فيصل استطاع ان يقضي على تلك القوات واستطاع ابن عايض أن ينجو باعجوبه فاستتب الأمر لفيصل وعين سعد بن عفيصان على ابها وعاد إلى الرياض في ج1عام 1341/1922.

قام الشريف بإرسال حمله أخرى مع ابن عايض حاصرت ابها فاستنجد ابن عفيصان بالقبائل المجاورة الموالية لآل سعود الكارهة لحكم آل عايض فانجده رئيس قحطان مترك بن شفلوت فانسحب ابن عايض إلى القنفذه ، ثم توفي ابن عفيصان بعد فك الحصار فعين الملك عبد العزيز بدلا منه عبد العزيز بن إبراهيم الذي قام بالتفاوض مع ابن عايض واستطاع أن يقنعه بالاستسلام ثم قام بنقل آل عايض جميعهم إلى الرياض فعفا عنهم الملك وأجزل لهم العطاء وعاشوا مكرمين في ظله .

اثناء فتح عسير عقد مؤتمر العقير الذي كان قد دعا اليه الملك عبد العزيز مسبقا .

مؤتمر العقير

وفي ربيع الثاني من عام 1341/1922 اجتمع الملك في العقير مع السير بيرسي كوكس الذي احضر معه فهد الهذال شيخ العمارات من عنزه وكان الملك ناقما على الشيخ فهد لإيوائه عرب شمر الذين فروا أثناء حصار حائل ، وأثناء الاجتماع تكلم الملك فكانت كلماته كالقنبلة زعزعت المكان ، إذ قال : أنا لا أخشى إلا الرجل الذي لا شرف له ولا دين ونحن نعلم علم اليقين إن العشائر وخاصة عشائر العراق لا ترتاح إلى الحكومه القوية ولا تريدها لأن الحكومه إذا كانت قويه تضربهم وتؤدبهم أما إذا كانت الحكومه ضعيفة فإنها تسترضيهم كما هو حاصل اليوم ، والعشائر لا يفهمون إلا بالسيف.. أشهر السيف يرتدعوا وأغمد السيف ينهبوا ويقتلوا .. ثم التفت الملك إلى فهد وقال له وهو يبتسم ( أليس كذلك يا فهد ؟ حنّا نعرف بعضنا ) فضحك كل من في المجلس إلا فهد الذي طأطأ رأسه واخذ يختلس النظر إلى المندوب السامي وكأنه يقول ( لا بارك الله في ساعة جيت فيها معك ) .

عقدت بعد ذلك عدة اجتماعات وتم فيها الاتفاق على تحديد الحدود ، ولكن بعد أربعة أشهر عادت العشائر العراقية إلى شن الغارات على قبائل ابن سعود فكتب الملك إلى المندوب السامي يخبره بعواقب ذلك ويطلب منه ردع المعتدين ، فتم الاتفاق على عقد مؤتمر آخر في الكويت عام 1342هـ دعت له الحكومه البريطانية لما رأت أن العلاقات بين الملك عبد العزيز وكل من الشريف حسين في الحجاز وابنيه فيصل في العراق وعبد الله في الأردن متأزمة فدعتهم إلى الاجتماع للنظر في المشكلات القائمة بينهم  .   

عقد المؤتمر في عام 1342/1923 ولكن الشريف حسين رفض أن يرسل مندوبه لحضور المؤتمر  مالم ينسحب الملك عبد العزيز من المناطق التي كانت تابعة له ، وانعقد المؤتمر ولكن المؤتمرين لم يتوصلوا إلى اتفاق وفشل المؤتمر .  

في تلك الأثناء تولى كمال أتاتورك الحكم في تركيا وأعلن إلغاء الخلافة فقرر الشريف حسين تعيين نفسه خليفة على المسلمين مما اغضب الملك عبد العزيز وشخصيات إسلاميه عديدة خصوصا في الهند ومصر فنشر الملك في الصحف العربية بيانا أشار فيه إلى عدم أهلية الشريف لتولي ألخلافه التي هي شأن عام لكافة المسلمين ولقي هذا البيان تأييدا من الجميع ، وفي الوقت نفسه اتجه الملك إلى القصيم تمهيدا لاتخاذ إجراءات عسكريه لاحقا وعين عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي أميرا على حائل وربط به القصيم وجميع المنطقة الشمالية وزوده بالقوات الكافية ثم عاد إلى الرياض وعقد مؤتمرا في ذي الحجة من عام 1342ترأسه الإمام عبد الرحمن وحضره العلماء وقادة الإخوان ورؤساء القبائل وافتتحه الإمام بالإشارة إلى تذمر الناس من منعهم من الحج ، واتفق الجميع على وجوب أداء الحج بالسلم او بالقوة فقرر الملك اتخاذ التدابير العسكرية اللازمة لذلك فأرسل فئة من أتباعه إلى حدود العراق وفئة أخرى إلى حدود الأردن لصد أي حركه من القطرين المذكورين وأرسل قوه  من الإخوان بقيادة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي إلى الطائف اكتسحت حصونه عام 1343/1924 فانسحبت قوات الشريف منه وأرسل الشريف ابنه علي بقوات التقت مع الإخوان في الهدا فهزمهم الإخوان وقضوا عليهم فدب الخوف في نفوس أهل مكه وفر كثير منهم إلى جده، وأمام هذا الوضع اجتمع وجهاء الحجاز وقرروا أن يتخلى الشريف حسين عن الحكم لأبنه علي ليكون ملكا على الحجاز فقط آملاً في أن يمهد ذلك الطريق للحل السلمي مع الملك عبد العزيز، فاضطر الشريف للتنازل عن الحكم لأبنه ورحل هو إلى العقبه .

اتصل أهالي مكه بخالد بن لؤي وطلبوا منه أن يدخلها بأمان دون إراقة دماء فدخلها الإخوان محرمين وتولى خالد مقاليد الأمور فيها وكتب الشريف علي للملك عبد العزيز يطلب الصلح ولكن الملك لم يرضى  بديلا عن تخليه عن الحكم ، ثم قدم الملك ودخل مكة معتمرا وبقى فيها شهرا ومنها اتجه إلى جده وعسكر في الرغامه .

 كان الشريف علي قد حصن جده بالخنادق والأسلاك الشائكة وأمده والده وأخوه عبدالله بالسلاح والرجال والأموال فأوعز الملك عبد العزيز إلى عبدالله بن مساعد أن يبعث قوات إلى العقبه التي كان الشريف حسين يوالي نشاطه المعادي منها ،  فتدخلت بريطانيا وقامت بترحيل الشريف من العقبه إلى قبرص حيث توفي بعد ذلك في عام 1931م ودفن في القدس.

كما أرسل الملك عبد العزيز قوات إلى الشمال لتأديب القبائل التي اعتدت على القوافل هناك وأرسل قوه بقيادة سعود الكبير لمحاصرة ينبع وقوات أخرى لمحاصرة المدينه ، كانت الأولى بقيادة صالح العذل ثم عززها بقوة أخرى بقيادة إبراهيم النشمي ، وبعد انقضاء موسم الحج وجه الدويش وعبد المحسن الفرم بأتباعهم إليها ثم بعد ذلك أرسل ابنه الأمير محمد على رأس قوه فاستسلمت المدينه في عام 1344/1925 .

بعد استسلام المدينه ازداد موقف المحاصَرين في جده حرجا لقلة الأطعمة فدب اليأس في نفوسهم ، وكان الملك يعلم بما يعانيه الأهلي داخل جده فأعلن العفو العام عمن يغادرها فغادرها الكثير من أهلها ومن قواتها النظامية وكبار الموظفين واستسلمت جده بعد أسابيع من استسلام المدينه .

أثناء وجود الملك في الحجاز علم بأن الإخوان بقيادة فيصل الدويش اجتمعوا في الارطاويه وأعلنوا خروجهم على حكم ابن سعود مرة أخرى .

مشكلة الإخوان

كانت بداية المشكلة مع الإخوان حين قاموا قبل ست سنوات بالاعتراض على الملك عبد العزيز فكفّروا الحضر وأباحوا الاعتداء عليهم  فاستفتى الملك العلماء وتدخلوا في الأمر فهدأ الوضع قليلا ،  ولكن بعد فتح الحجاز قام فيصل بن سلطان الدويش وسلطان بن بجاد بن حميد وضيدان بن حثلين بالاعتراض على الملك عبد العزيز، وكانت حجتهم الظاهرية استخدام البرقيات بينما الواقع هو أن ابن بجاد الذي كان أكثرهم قوه كان قد شارك في معركة تربه مع خالد بن لؤي ولما دخلوا مكه أسندت الأمور لخالد فغضب ابن بجاد وعاد إلى نجد قبل فتح جدة أما الدويش فكان في جبهة العراق أثناء فتح مكه ثم التحق بالقوات بعد ذلك ، فقد كان الملك عبد العزيز حين عزم على فتح الحجاز بعد منع الحجاج النجديون من الحج وإعلان الشريف نفسه خليفة للمسلمين أرسل فئة من قواته إلى الحدود العراقية وفئة أخرى إلى الأردن لصد أي حركه من القطرين المذكورين والفئة الثالثة كانت بقيادة ابن بجاد وابن لؤي إلى مكه ، ولما عاد الدويش من جبهة العراق بعد فتح مكه أرسله الملك مع عبد المحسن الفرم بأتباعهم لمساندة السرايا التي كانت بقيادة صالح العذل وإبراهيم النشمي لفتح المدينه وكان الدويش حريصا على أن يكون فتح المدينه المنوره على يديه  ليحضى بما حضي به ابن بجاد من سمعه وقد أوصاه الملك بان لا ينال المدينه بسوء ولكنه قام بمحاصرتها دون نتيجة ثم انقض على قرية العوالي القريبة من المدينه وأطلق العنان لرجاله فعاثوا فيها قتلا ونهبا  واتجه إلى المدينه يريد ان يقذفها بالمدافع مخالفا بذلك أوامر الملك فغضب الملك وفصله عن قيادة المعركة وأمره بالعودة إلى نجد .

عاد الدويش إلى الارطاويه غاضبا واجتمع مع ابن بجاد وانظم لهم ضيدان  بن حثلين  الذي لم يشارك في المعارك ، واتفقوا في الارطاويه على معارضة الملك عبد العزيز فيما اتخذه من إجراءات بعد توحيد البلاد كإرسال ابنه سعود إلى مصر وابنه فيصل إلى لندن وإدخاله البرق والتلفون والسيارات وسكوته على الشيعه في الإحساء ، فقد كانوا يرون أن الشيعه غير مسلمين فإما أن يدخلوا في الاسلام أو يقتلوا ، وغير ذلك من المطالب والاعتراضات ، فلما علم الملك وهو في الحجاز عاد وعقد مؤتمرا حضره العلماء ودعا فيه الاخوان وتناقشوا في مطالبهم مع العلماء فأفتى العلماء بخطأ الاخوان ووجوب عدم شق عصى الطاعة على ولي الأمر، وانتهى المؤتمر على ذلك ولكن الدويش لم يقتنع بنتائج المؤتمر فقام بعد ذلك بهدم المخفر الذي أقامه الانجليز على الحدود العراقيه وقتل من فيه فقامت الطائرات العراقيه بالاشتباك مع قوات الدويش فتدخل الملك عبدالعزيز واستطاع أن يقنع الانجليز بالكف عن حرب الإخوان واتفق مع حكومة العراق على عقد اجتماع في جده مع مندوبها والمندوب الانجليزي ، وقبل أن يتوجه إلى جده اجتمع مع الأخوان في القصيم وطلب منهم حل الأمور بالطرق السلميه واخبرهم بأنه ذاهب إلى جده لحل مشكلة الحدود ، واجتمع الملك في جده مع الانجليز فأصر الانجليز على إقامة المخافر على الحدود فعاد الملك وعقد مؤتمر الجمعية العمومية في الرياض سنة 1347/1928 فلم يحضر الدويش وأرسل ابنه عبدالعزيز(عزيز) بدلا عنه ، كذلك سلطان ابن بجاد أرسل ابن عمه علوش بن حميد أما ابن حثلين فعاد من نصف الطريق لما علم بعدم حضور الباقين .

أعلن الملك في هذا المؤتمر استعداده للتنازل عن الحكم لأحد من آل سعود لان الانجليز مصرين على إقامة المخافر والدويش يرفض ذلك  فأعلن الجميع رفضهم للتنازل وجددوا البيعة للملك ، أما الإخوان فأعلنوا معارضتهم وأغاروا على القوافل وقاموا بالقتل والسلب لكل من وقع في أيديهم من الحضر، وصادفوا قافلة لأهل القصيم قادمة من العراق فقتلوا رجالها وسلبوا أموالهم فخرج لهم الملك في عام 1347/1929 ونزل في الزلفي والإخوان نازلون في روضة السبله، فوسط الملك العلماء بينه وبينهم  وأرسل لهم الشيخ عبد الله العنقري والشيخ عبد العزيز الشثرى ولكنهم رفضوا الطاعة وأرسلوا للملك ماجد بن خثيله فقال له الملك عد لمن أرسلك وقل له إن لم يسلموا بدون شرط والشرع بيننا وإلا فنحن قادمون إليهم غدا ،  فلما رجع ماجد ونصحهم بالتسليم قال الدويش سأذهب له أنا وذهب بنفسه وتناقش مع الملك ووعده بأنه سيعود ليقنع ابن بجاد فانذره الملك بأنه إن لم يقنعه فسوف يهجم عليهم في الغد .. ويبدو انه لم يستطع إقناع ابن بجاد والدليل انه صفح عنه بعد ذلك ولم يصفح عن ابن بجاد .

 وفي الصباح هجم عليهم الملك ولم تستغرق المعركة أكثر من نصف ساعه وانهزم الإخوان وقتل معظمهم وأصيب الدويش في المعركه فحمله قومه إلى الارطاويه ثم عاد به أبناؤه ونساؤه إلى الملك يبكون ويطلبون العفو عن والدهم فعفا عنه وعالجه طبيب الملك الخاص مدحت شيخ الارض ثم أعاده إلى الارطاويه .

اما ابن بجاد فقد فر إلى الغطغط فبعث له الملك ليسلم نفسه فاستسلم وأودع سجن الرياض ثم سجن الإحساء ، ثم قام الملك بهدم هجرة الغطغط ، وأما ضيدان الذي كان قد نشأ في كنف الملك عبد العزيز ورباه وعلمه خشي من غضب الملك فقام بالاتصال بعبد الله بن جلوي ليتوسط له فطمأنه ابن جلوي واخبره بأنه سيرسل له ابنه فهد فخرج إليه فهد وكان معه بعض العجمان يتزعمهم( ابا الكلاب ) نايف بن محمد بن حثلين  منافس ضيدان، فنزلوا قرب الصرار ولما قدم اليهم ضيدان قبضوا عليه وطلبوا منه ان يسلم مالديه من سلاح وجيش فتعهد بأنه سيسلمه لهم واخبرهم بأنه اذا لم يعد لجماعته فانهم سيهجمون عليهم وطلب منهم ان يرسل رسالة لهم ليخبرهم بعدم الهجوم وكتب الرسالة ولكن الرسالة لم تصل لان من حملها كان يحقد على ضيدان واراد له الهلاك فلم يسلمها ، وبالفعل هجم عليهم أتباع ضيدان عندما تأخر عليهم فأمر فهد بقتل ضيدان فانضم نايف بعد مقتل ضيدان إلى جماعته العجمان ،  وقتل فهد في المعركه مما شجع بعض المناوئين للملك على الانضمام اليهم ، منهم أتباع ابن بجاد بقيادة مقعد الدهينه الذين ساءهم ان يعفو الملك عن الدويش ولا يعفو عن ابن بجاد ، كما ان الدويش بعد ان شفي من جراحه انضم اليهم فقامت قوات الملك بمطاردتهم فلجئوا إلى العراق واستسلموا للبريطانيين فكتب الملك للحكومه البريطانيه فقامت بإرسالهم له وتم سجنهم وانتهت مشكلتهم .

بعد ان انتهت مشكلة الاخوان توجه الملك عبد العزيز إلى راس تنوره ومن هناك انتقل إلى باخرة بريطانيه والتقى بالملك فيصل ملك العراق وكان لقاءً ودياً، ثم عاد إلى الرياض  وفي طريقه عرج على البحرين بدعوة من آل خليفه .

 

ثورة ابن رفاده والإدريسيي

في عام 1350هـ واجه الملك عبدالعزيز حركة ابن رفاده ... وحامد بن رفاده (ويقال له الأعور ) زعيم قبيلة بِلي ومقره بالوجه كان قد قام بحركة معارضه للحكم السعودي بعد فتح الحجاز ووجه إليه الملك قوه ففر إلى مصر ثم اتجه إلى الأردن .

كان ملك الأردن الملك عبدالله ابن الشريف حسين قد ساءه لقاء أخيه فيصل بالملك عبدالعزيز كما ساءه ان تجتمع القلوب على حب ابن سعود وتؤيد ملكه فأخذ على نفسه الانفراد وحده بمقاومة ابن سعود واخذ يبحث عن أنصار له فوجد غايته في شاب من أهل الحجاز هو حسين الدباغ الذي فر بعد فتح الحجاز وطلب منه ان يؤسس حزبا سريا للعمل على محاربة ابن سعود وتم تأسيس هذا الحزب وأطلق عليه حزب الأحرار الحجازي وكان يضم عددا من الأشراف ، ثم توجه الدباغ إلى مصر لنشر دعوة الحزب وتأسيس فرع له في مصر واجتمع هناك بابن رفاده ودعاه للانضمام إلى الحزب كما ذهب إلى اليمن واجتمع مع الأدارسه هناك ليحرضهم على محاربة ابن سعود .

ذهب ابن رفاده إلى الأردن والتقى بالملك عبد الله فلقي منه الدعم والمساندة ومنحه الجنسية الأردنية ، ثم عاد  إلى مصر وأخذ يعد العدة للهجوم على شمال الحجاز.

 وفي عام 1350/1932سارابن رفاده بأتباعه عن طريق العقبه حتى وصل إلى قرب ضباء وأقام هناك يتلقى المؤن والأسلحة من الأردن ،  فلما علم الملك عبدالعزيز بذلك أرسل إليه قواته فقامت بالقضاء عليه وقتله .

قام كذلك الإدريسي حاكم صبيا وجيزان بالثورة فأرسل له الملك عبد العزيز عدة سرايا من بينها سريه بقيادة عمر بن ربيعان وأخرى  بقيادة الشريف خالد بن لؤي ، وقد توفي خالد في الطريق وتولى القيادة ابنه سعد ، ثم راسل الملك جيشا كبيرا بقيادة الأمير عبدالعزيز بن مساعد كقائد عام للقوات فقامت هذه القوات بالقضاء على الثورة ولجأ الأدارسه إلى حاكم اليمن الإمام يحي الذي أرسل إلى الملك عبد العزيز يطلب منه العفو عن الأدارسه فعفا عنهم وخصص لهم نفقات شهريه .

بعد فتنة ابن رفاده والإدريسي وما أذيع أنها بتدبير الحزب الحجازي فكر عقلاء أهل الحجاز بتبديل مسمى مملكة الحجاز ونجد إلى مسمى واحد وكتبوا إلى الملك عبد العزيز فصدر قرار توحيد المملكة بمسماها الجديد المملكة العربية السعودية وكان ذلك في عام 21/5/1351هـ الموافق 22/9/1932م .

حدثت بعد ذلك بعض المشاكل على الحدود مع اليمن وقامت القوات اليمنية بالاستيلاء على نجران والجبال التابعة لجيزان فكتب الملك للإمام يطلب منه اجتماع وفدين من البلدين لتحديد الحدود بينهما فاجتمعت الوفود ولم يصلوا إلى حل نتيجة لإصرار الإمام على ضم نجران فنشبت الحرب بين البلدين وتدخلت بعض القيادات العربية فتم عقد اجتماع بين الطرفين في الطائف عام 1353/1934 وتم تحديد الحدود والصلح بين البلدين .

  وبعد ان وحد  الملك عبد العزيز هذه البلاد أخذ يعمل على نهضتها وتحكيم شرع الله فيها.

 وفي عام 1373/1353 انتقل أسد الجزيرة إلى جوار ربه

رحمه الله رحمة واسعة وجعل أعماله الجليلة شفيعةً له في يوم اللقاء